الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
43
نفحات القرآن
لكننا نعتقد أنّ هذا التقسيم لا أساس له أصلًا ، لأنّ الولاية كيفما تكون فهي إنشائية ، سواء أنشأها اللَّه تعالى أو النبي صلى الله عليه وآله أو الأئمّة ، كأن يقول الإمام عليه السلام : « إنّى قَدْ جَعَلْتُهُ حَاكِمَاً » ، أو أن ينتخبه الناس « على سبيل الفرض » ، فينشئون له الولاية والحكومة . فكلاهما إنشائي ، والتفاوت يكمن في أنّ إنشاء الحكومة يكون تارة من قبل اللَّه تعالى وأخرى من قبل الناس ، والتعبير ب « الإخباري » هنا يحكي عن عدم إحاطة القائل بهذا القول ، أو أنّه يدرك الفرق ، إلّاأنّه استعمل هذه العبارات من باب المسامحة . والتعبير الصحيح هو أنّ الولاية إنشائية في كل الأحوال ، وهي من ضمن المناصب التي لا تتحقق بدون الإنشاء ، والتفاوت هنا هو أنّ إنشاء هذا المنصب والموهبة قد يكون من قبل اللَّه تعالى أو من قبل الناس ، فالمدارس التوحيدية تراه من قبل اللَّه تعالى ( وحتى لو كان من قبل الناس فلابدّ أن يكون بإذنه تعالى أيضاً ) ، وتتوهمه المدارس الإلحادية بأنّه من قبل الناس . وعلى هذا ، فالخلاف ليس حول « الإخبار » و « الإنشاء » ، بل حول الذي ينشئ ذلك ، هل هو اللَّه تعالى ، أم الخلق ؟ أو بعبارة أخرى ، هل أنّ أساس مشروعية الحكومة الإسلامية يكون بإذن اللَّه تعالى وإجازته في كل مراحل ومراتب الحكومة ، أم بإذن الناس واجازتهم ؟ لا شك أنّ الذي يوافق النظرة الإلهيّة هو الأول دون الثاني . الحكومة والوكالة : يقال أحياناً إنّ الحكومة الشعبية نمط من الوكالة ، لا منح منصب ، لأنّ مالك الملوك هو اللَّه تعالى ، فيجب أن يهبه هو تعالى لمن يشاء ، وبعبارة أخرى ، فكما أنّ كل واحد يتمكن أن يوكل غيره في الأمور الشخصية ، ولا شك أنّ لهذا الأمر مشروعيته ، فكذا الأمر في القضايا الاجتماعية ، إذ بإمكان الشعب اعتبار شخص ما وكيلًا له لإدارة الشؤون الاجتماعية ، والشعب ملزم بتحمل نتائج تلك الوكالة ما بقيت . لكن هذا الكلام سقيم لوجوه :